الحذر من الانسياق وراء المقولات البراقة
يُطالعني مؤخراً كثرة المَقولات المنتشرة على شبكة التواصل الإجتماعي،
فكل فرد من هذا المجتمع غالباً ما يتسابق مع الآخر بتحميل صورة أو مشهد أو مَقولة لأحد
الشعراء أو الفلاسفة ظناً منه إبراز طاقاته العلميَّة والثقافيَّة...دون تيقُّنِهِ
بأنه قد دخل في متاهات الإلحاد.
و من هذه الأقوال التي إستفزتني ما زيَّنَ أحدهم جدار صفحة الفايسبوك
لديه بمقولة الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر:
بمعنى "نحن خياراتنا
" “We are our choices “ أو “Nous sommes nos choix “
إنَّ هذا الشعار الفلسفي البرَّاق ظاهرهُ، يحملُ في طيَّاته فكرة مُبطَّنة ترمز الى حرية الإختيار
المُطلقة بمعنى أننا نصبح ما اخترناه بإرادتنا
الحرة.
إنَّ هذه المقولة تضرب في صميم العقيدة الإسلامية لأنها تزعزع مفهوم الإيمان
الذي يرتكز على مبدأ القضاء والقدر فنحن نختار
ضمن مروحة علم الله المسبق ومستوى الحرية الممنوحة لنا، فلا حرية مطلقة كما يدعي سارتر.
صحيح أن الدين الإسلامي كفِل لنا حرية الاختيار إلا انها تبقى مُقيَّدة
بمدى إحاطتنا للأمور، حتى أنَّ نتيجة هذا الاختيار الشخصي تبقى ضمن حدود مُقدرَّة لنا
مسبقاً من المولى عز وجل : إن شاء بَسط وإن شاء قَبض.
وميزان قبول الفرد أو تذمره لما مُنِح له يعكس درجة إيمانه فتصبح كلمة إسلام بهذا المنظور بمعنى "الاستسلام لمفاعيل القضاء
والقدر".
نحن جميعاً نأخذ بالأسباب ولكن المُلحِد يربط بين النتيجة والسبب ، وباعتقاده
تُرجِع عاقبة الأمور اليه دون الحاجة الى المولى عز وجل, بينما المسلم على المقلب الآخر ، يربط بين النتيجة
ورب الأسباب لذا أورد تعالى في هذا السياق:
﴿ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [ سورة الواقعة:
64]
وكذلك قال: ﴿ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ
رَمَىٰ﴾ [ سورة الأنفال: 17].
لذلك عذراً سارتر... فنحن لسنا ريشة في مهب اختياراتنا، نحن لنا رب نحمده
ونتوكل عليه ونقرًّ بعلمه المُسبَّق لكل ذرة في حياتنا ولقراراتنا ونقر بعِلْمنا القاصر
للنتائج المترتبة عليها ، فنحن لاسلطة لنا على شيء إلا بالحد المًقدَّر لنا ولهذا نهرعُ
بعد كل عمل نقوم به إلى الدعاء والتوكل على الله عسى أن تكون النتيجة كما نأمل وإلا
فنصبر ونحتسب.
ولهذا حتى لا نقع في شرك جمال الأقوال دون استيعابها ونبقى على المَحجَّة
البيضاء علينا الاكتفاء والاستعانة بما لدينا من تُراثٍ زاخرٍ من أقوال الصحابة والصالحين
وأحاديث الرسول الكريم الذي هو خير داع لخير
دين.